28 مايو 2009

مراكب

. مارس 2000
.
"بعدي ما خلصت الجامعة.. شمعنه الحين؟!"
.
قالتها وزفرت بضجر، رشقتها صديقتها بنظرة تنم عن عدم رضا، ورمت بنظرها على الباب المغلق، كانتا وحيديتين في غرفة الجلوس، فأخذت تسرد لها أسبابا تجعل من والديها يعدلا عن رأيهما في موضوع زواجها، فهو ابن عائلة ويحمل شهادة دراسية عالية، وميسور ماديا، والأهم من ذلك.. يتسم بأخلاق قلما تكون في رجل، لم يكن وسيما جدا، ولا فارع القامة كما تحب، ولا صاخبا كما يجب، ولكنه زوج أكثر من مناسب لها.. هكذا كانت تراه صديقتها أيضا.. "آنا لو منج آخذه، واحد مثله ما يتطوف يالخبلة!".. ابتسمت وأخبرتها بأنها ستتبرع به لها..
.
كانت حسبة صديقتها تختلف، وكانت حسبة والديها أيضا تختلف، وحسبتها لم تكن تشبه هذه أو تلك.. لم يزرع الربيع في قلبها، ولم يشعل براكينها الخامدة، محاولات لإقناعها بالعدول عن رأيها كونه فرصة جيدة.. هكذا يفكر الوالدين بمستقبل أبنائهم..!!... يحاولان رسمه بفرشاتهم، وتخطيطه بأقلامهم، يتغاضون عن كل تلك الفراشي والأقلام التي تعبئ مقالم أبنائهم وجيوب قلوبهم، أيا كان السبب لذلك، لن يكن مقنعا أبدا في نظر الأبناء، فقصصهم لن تكن يوما تتمة لقصص الآباء والأمهات، بل قصص جديدة تمخضت عنها قصص قديمة، وتشكل لها جلد جديد وروح جديدة... ليتهم في مجتمعاتنا يفهمون!
.
"كل شيء قسمة ونصيب".. أنهت والدتها المكالمة مع والدته، بينما انسحبت هي بهدوء، قالموقف أقسى من أن تتصدى له.. ووردة في قلبه تبرعمت لها وبها!.. كانت له حلما جميلا، وكان لها مجرد رجل.. يمر مسرعا من هنا..
.

مارس 2009
"انشالله ما اكون تأخرت"
.
قالتها بصمت، كل شيء في حياتها يتأخر، وهاهو المصعد أيضا يتأخر في النزول إلى الطابق الأرضي لمبنى الشركة، هي موظفة جديدة انتقلت إلى هنا حديثا، تراقب إشارة المصعد الضوئية بضجر، منهمكا في النزول من الطابق التاسع، موظفا الأمن يجلسان بجوار الباب المحاذي، وقليل من مارة هنا وهناك و... رجل يمر مسرعا من هنا.. وكأنها تعرفه!!.. ليس مهما.. لذا لم تجهد ذاكرتها به كثيرا، فتح باب المصعد، وإلى طابق إدارة الموارد البشرية.. ضغطت الزر، فيوم غد هو اليوم الأول لها في هذه الشركة..
.
وكان الاتصال الهاتفي الأول على مكتبها الجديد.. في هذا الصباح.. من سكرتير يطلب حضورها إلى مكتب مديره، لإتمام بعض الأمور الخاصة بها.. ذهبت إليه، وطرقت الباب، فأذن لها بالدخول..
.
ألقت التحية والتقت عيناها بعينيه، ذاكرتها لم تكن مجهدة، وذاكرته لم ترهقها السنين، كما لم ترهق تقاطيع وجهه، ولم ترسم خطوطها عليه، أكثر وسامة ورشاقة من ذي قبل، مثلها تماما، لم تضف لها السنين إلا جمالا وأنوثة أكثر، رحب بها داعيا لها بالجلوس.. وبقدر ثبات تعابير وجهها كان ارتباك أعماقها.. لتلك العصافير والنجوم المتراقصة في عينيه.. التف بالحديث وانحرف به عن أمور العمل، كان سهلا عليه أن يعرف بأنها لم تتزوج إلى الآن.. لأن سيرتها الذاتية عنده، تشبثت بتلابيب النصيب.. إجابة رتيبة هربا من تساؤلاته، كما كان سهلا عليها أن تعرف بأنه لم يتزوج إلى الآن.. لأنه أراد لها أن تعرف، كما أراد أن يخبرها بأن لقياه بها ثانية... نصيب..!
.. .
أسبوع من الزمان مضى على عملها هنا، أسبوع تراكم فوق سنين شدت رحالها منذ زمن بعيد، أبى القدر إلا أن يمسح الأتربة عن صورتها المعلقة على جدار ذاكرته، بينما أبى قلبها وعقلها نفض الغبار المتراكم على حكاية قديمة، كانت شموعه رغم السنين مازالت متقدة... بينما شموعها لم تكن أبدا كشموع أعياد الميلاد السحرية.. لتعاود الاشتعال من جديد..
.
فـ... الحيـــاة.. ليست بحيرة نصطاد منها أسماك الفرص.!!.. بل هي بحر نشد فيه الأشرعة... توقا لـ..مرسانا..
.
ليس كل ما في الحياة يداويه الزمن.. وليس بيد البشر تغيير القدر..
.
كان رأيه بها كتحفة جميلة.. لم تشحب بمرور السنين.. وكان رأيها به كمسلة فرعونية... ما أثر فيها الزمن.. فـ...القلوب التي ما خفقت في البدايات.. لن تخفق أبدا..!!...
.
للـ..حياة أن تلون تفاصيل الحكاية... وللـ..قدر أن يبتسم لأنه من يرسم الحكاية.

09 أبريل 2009

ردّ الدين

.
يمه حرام عليكم.. لا تحرموني منه.. أحبه..!!
.
صفقت أمها باب غرفتها بعصبية، وتركتها وحيدة جالسة على سريرها، تضم ساقيها بذراعيها وعينيها تعجز عن ضم دموعها، فتنسكب على وجنتيها ساخنة.. كسخونة الشمس.. مالحة.. كملوحة البحر، طعم الحزن في فيهها مرا.. كمرارة واقع مجتمع الكويت وتقاليده..
.
"الله يلعن هالمجتمع..!!"
.
ذرفتها بصوت مسموع باكية، فها هو حب حياتها يقف شحاذا على باب تقاليد هذا المجتمع البخيل، ثمانية سنوات من عمرها تستحيل فراشات تحترق، وباتت تتكسر كالرماد حول لهيب الواقع، كيف لها أن تترك حبه ينسل من ثوب حياتها وهي من دونه.. عــارية.!!.. هذا الطفل الجزع.. حبها.. سنوات في مهده ينتحب، يغالون في محاولات رميه لقيطا في شوارع الحزن وعلى أرصفة التقاليد، سنوات وعقارب الساعات تحتضر، سنوات وكل الورود هنا تنتظر.. وحفنة من أمل في كفها تواسيها ..!
.
... تركت أمها مقبض باب غرفتها ونظرت إلى أبيها واجمة، لتعلن له بأنها عنيدة، بينما كانت هي تعلن بأنها تحبه..
.
كل منهما له نظرته، يرى فيها المسألة كيفما يشاء..
ولكن اختلاف النظرة لا يبدل ربع الحقيقة..!
.
نظر إليها زوجها متجهما.. جالسا على الأريكة والصحيفة بين يديه، وكوب الشاي على الطاولة باردا، ككل شيء هنا في هذا المنزل أصبح باردا، منذ أن قدم عبدالرحمن إليه في مكتبه خاطبا ابنته، منذ أن خاطبت هي أمها في شأن زواجها منه، منذ أن ارتسمت علامات الغضب والهلع على وجهيهما... فهو من أسرة ذات سمعة جيدة، يحمل شهادة من الخارج، ويدير إحدى شركات والده، وسبق أن تعامل مع أبيه تجاريا ولكن...
.
.... مو من مواخيذهم..!!
.
تنهد... وعاد بالزمن عقودا إلى الوراء، عندما كان أخا أكبر، يقطن بيت العائلة الكائن في جبلة، عندما كانت الحياة أبسط، والأبناء طينا يتشكل بين أيدي ذويهم، عندما شذت أخته عن ركب العائلة، وأحبت من لا يليق بهم صهرا، حينها لم ينالها إلا الحبس والضرب والشتيمة، كان الساعد الأيمن لغضب والده، وكان المارد الأعتى لتقاليدهم، تذكر حينها كيف استجمع قسوته ليرجم حبها حتى الموت.. ويقدمها وأبيه قربانا للتقاليد.. لسليل أحد أعرق العائلات خاطبا..!
.
لم يكن الحب في تلك الأيام خطيئة... لكن الحب خارج جب الموروثات كان كبيرة..!
.
"ومازال كبيرة!"..
.
قالها لنفسه بصمت.. زفر وكرمش الجريدة، يعرف كم ابنته شرسة وعنيدة.. كعناد تقاليدهم وموروثاتهم الاجتماعية، أصبح الكوت.. كويتــا، وأصبحت السكيك والفرجان.. مناطقا ومحافظات، كل شيء هنا في الديرة تغير، وكل تفاصيل الحياة ومفاهيمها تبدلت.. إلا موروثاتهم.. كتماثيل الشمع واقفة.!!.. عاصية على الذوبان، وابنته الوحيدة.. المدللة.. تقف بعنادها وإصرارها كتنين.. تنفث عليها نار حبها.. لتنصهر..!
.
شهــــور مضت...
.
.. لم تكن هي وعبدالرحمن يريدان ضمها لقافلة التذكر، فبقدر الوجع.. وبقدر السهر.. وبقدر الدموع.. وبقدر الانتظار في لياليها.. بقدر فرحها وفرحه هذه الليلة..!... وبرغم الضجيج.. والزحام.. والجموع من حولها، لم تكن تسمع سوى نبضات قلبها، ولم تكن ترى سواه مقبلا إليها ببشته الأسود، بينما تتشح هي ببياض فستانها وطرحته..
.
كانت عمتها على يمينها واقفة مع المقربات من نساء العائلة.. وكان عمه إلى جانب والده يرافقه سيرا إلى حيث عروسه.. تلاقت أعينهما سريعا، فرجع الزمن بخطاه أسرع..
.
... مرت في خاطر عمه ذكرى جميلة.. دسها كوردة بين دفتي نسيان
وتوقفت في قلب عمتها غصة عنيدة.. غرستها وردة بين خصلات شعرها..
.. ترفض النسيان ..
.
.

05 أبريل 2009

في الأفينيوز

يسّوووف...

.
التفت برأسه سريعا إلى الخلف.. من حيث أتى صوتها.. تناديه..!
.
ثانية فقط... فصلته عن العالم وما حوله من صخب.. وأصدقائه الذين يشاركونه الطاولة وحديثهم المزدحم، تراءى له وجهها يشوبه الدخان المتصاعد من سيجارته.. ذاك من يشاركها طاولتها وحيدين.. يجاورهما عربة لطفلين نيلية اللون يجلس فيها أحدهما ومسحة طفولية هادئة على وجهه الصغير، وجهها يتراءى ضبابيا كقلبها الذي لملم حبه وارتحل منذ سنوات قليلة..
.
المطعم بدأ فى الازدحام، وتلك الواجهة الزجاجية الكبيرة تفرش عبرها الشمس سجادتها على وجه المطعم فتبث فيه حيوية أكثر، هو وكراسيه وطاولاته الخشبية، وتلك الأوعية النحاسية المعلقة على الحائط المقابل والبرطمانات المصطفة بانتظام على الأرفف، همهمة الناس تغلب على دندنة موسيقى إيطالية خافتة، النوادل يحومون بزيهم المطعم باللونين البيج والأبيض بين المرتادين بخفة، بينما يوسف الصغير.. فرحا بخطاه المتعثرة، باعد قليلا إلى حيث تلك الطاولة..
.
... إلى حيث يوسف آخر.. ها هو لا زال متوقدا.. في قسماته خشونة لا تشبه نعومة قلبه، وفي نظراته حدة لطالما عشقتها، وسمرة بشرته المغسولة بلون الشمس كانت تفتنها، وشفتيه الرفيعتين لطالما فصلتها عن هذه الدنيا لثوان، سكسوكته التي طالما كانت تلح عليه لإبقائها.. لم تكن على ذقنه، ولكنه مازال رياضي الجسد.. كيف لا وهو يتزوج البحر منذ طفولته، وشعره الأسود الكثيف لازالت تحس بملمسه الناعم بين أصابعها، كل شيء فيه.. هو وقلبه.. واشتعاله.. وحيويته.. وصخبه.. كل شيء فيه يعلن بأنه لا زال حاضرا فيها..!
.
صوتها أشعل فيه نار ذكرى قديمة، وعيناه فزّ لهما قلبها ليصمّها عويله، بعد أن ظل لسنوات يتكئ على فراش الرتابة، انتقلت بعينيها إلى زوجها.. هنا على الطاولة حيث يقابلها جلوسا، ببياض بشرته وسمنته وشفتيه المكتنزتين، ونظرات عينيه الخاوية، محبا ولكن.. ليس كما ينبغي، وهادئا.. أكثر مما ينبغي، منظما ومرتبا حتى في يومه، فهو يقسم وقته مناصفة بين أعماله وتجارته.. وبيته وهي.. وتوأميهما جاسم ويوسف... جاسم اسم والده، هو من اختاره ليكن كنيته، وترك لها اسم أخيه لتختاره هي، دقائق تفصل بين ولادة التوأمين، بينما فصلت بينها وبين يوسفا سنين وكأنها دقائقا، فشعورها تجاهه لازال طازجا..
.
طالعها يوسف بحدة عينيه.. تذكر أيامها معه.. ما اطفأ حلاوتها إلا خذلانها له، هي من تركته.. هي من تنصلت منه، اتصالاتها خبت.. ونبرة صوتها تبدلت، غلب حبهما الجفاف، أمطرها بالأسئلة، كانت تجيد الهروب، وكان يجيد محاصرتها، ليعلن الموقف.. بأن ثمة شيء ما يحدث هنا..!!... لملمت أذيال ثوب حبها وسحبت قلبه بين طياته، حاول مرارا أن يفهم.. أن يرتق شق ما حدث، لم يكن يفهم... وكانت هي تفهم، داست على عاطفتها، ودهست حبه ومضت... لينتشر خبر زفافها الأسطوري هنا وهناك..!
.
تذكر اتصالاتها به بعد ان أصبحت زوجة، صدها مرة.. صدها مرتين وأكثر، لم يكن أكثر من رجل.. ولكن نصل خديعتها له كان يمزقه، لمح زوجها وتذكر.. كيف أتاها خاطبا.. فتركته هو على قارعة الحب ينزف، فحبها لرصيده وتجارته.. ويخته.. والفيلا في مونترو.. كانوا أكبر من حبها لقلبه..
.
مفاتيح الحب لا يمتلكها دوما من يستحق..
هكذا هي القلوب.. جامحة إلى حد التحليق.. أو إلى حد السقوط... ولا خيار آخر..
.
أشاح بوجهه عنها.. ارتحل بخطى قلبه بعيدا.. سارع يوسف الصغير إليها متعثرا بخطاه..
.
وظلت هي على كرسيّها جالسة..

.


... تمضغ النــــــــدم!

.